31
مارس

كتب: مختار العزيزي

القراءة الشظوية والقراءة العنقوديةلمّا بحثت في الملفات الإلكترونية التي أحتفظ بها منذ سنوات وجدت أنني في حدود شهر مايو لعام 2003 بدأت التفريق بين نوعين من القراءة: القراءة الشظوية والقراءة العنقودية، وبهذين المصطلحين وصفت الطريقة التي رأيتها آنذاك غير مثمرة في الغالب (الشظوية) والأخري التي بدت في ذلك الوقت كمصباح جديد (العنقودية).

أعرّف القراءة الشظوية على أنها ذلك النوع من القراءة الذي يمارسه كثير من القرّاء وهواة اقتناء الكتب ممن لا يشغلهم بحث أكاديمي ولا أسئلة معينة تؤرقهم وتقض مضاجعهم؛ إذ يتنقل القارئ الهاوي من مكتبة إلي أخري ومن منفذ بيع كتب إلي منفذ آخر يشتري كتابا في الفلسفة الإسلامية وآخر في فن الكاراتيه ويقرأ هنا مجلدا في الفقه ويقرأ هناك كتابا في علم النفس، يتنقّل بين عدة مجالات معرفية رغبة في إشباع نهمه للمعرفة والثقافة. ولست أقصد بهذا أن هذا النوع من القرّاء يهتمون بكل الفروع المعرفية بلا استثناء، بل هم يهتمون بعدد من العلوم التي تتفق وميولهم، ويمكنهم تحصيل شئ مفيد منها غير أنهم بهذه الطريقة – كما أري – يشبهون الشخص الذي همّ أن يعطس ولمّا كاد أن يفعل باغته الفشل. وأقصد أنهم بهذه الطريقة يقفون على “عتبات” المعرفة. صحيح أنهم نجحوا في تحصيل معلومات من هنا ومعلومات من هناك، كما أن أرواحهم أصابتها لفحات نشوة من خلال التنقل بين مختلف الفنون والمعارف إلا أنني أحسب أن انتهاجهم لهذه الطريقة يفوّت عليهم وجها أعظم في الانتفاع بما يقرأون.

فالأمر، كما أحسبه، يتعلق بشكل جذري ببنية العقل البشري نفسها أو، بمعني آخر، يتعلق الأمر باستعدادنا العقلي كبشر لإدراك العالم من حولنا سواء من حيث الأفكار المجردة أو الحوادث إذ يخيّل إليّ أن العقل البشري مجبول على البحث عن الروابط والوشائج التي تسمح له بأن ينظم نسقا معينا لما تعاينه الحواس منذ لحظة الميلاد وحتي الموت. والعقل، كما أظن، لا يمكنه أن يعيش ضمن حدود عالم رخو لا ينتظم في سلسلة من الأسباب والنتائج، أو عالم مائع توجد فيه أفكار وممارسات وأحداث منبتة الصلة ببعضها وكأن الحياة كلها مجرد خبط عشوائي لا يُعرف مصدره ولا يرجي منه فائدة ولا تظهر لأي حركاته صلة بسكناته.

لذلك فالقراءة الشظوية توفر للقارئ – في الغالب – قدرا من المعلومات والأفكار التي أحسبها قليلا ما تنتظم بعض حباتها في شكل هندسي يدركه العقل، بل تبقي هكذا مجرد حبات مستقلة لا يجمعها كلها – أو بعضها – خيط ولا تنتظم في شكل يدركه العقل كما يدرك الصورة باعتبارها وحدة واحدة كبيرة، لا كنقاط دقيقة مرصوفة الواحدة تلو الأخري. وإن حدث ربط بين شئ وآخر فإنه يبدو لي أنه حدث بمحض الصدفة.

في المقابل، تبدو الطريقة العنقودية أقرب وأنسب لبنية العقل البشري الذي يميل، فيما أعتقد، إلي البحث عن الحلقات المفقودة ليربط بين الأفكار والأحداث حتي ترتسم أمامه صورة كاملة، أو حتي جزء من الصورة يمكن إدراكه، حتي لو كان هذا الإدراك مشوها أو فاسدا تماما. فالعقل يبحث عن العلائق من جهة، ويطرح جانبا ما لا يمكن إدراكه بهذه الكيفية، فينساه أو يلقي به في الفناء الخلفي للذاكرة ولو مؤقتا لحين اكتشاف ما يمكن من خلاله إدراك حلقة مفقودة أو خيط متين يشيّد به نسقا أو حتي جزء من نسق يقبله باعتباره ذا مغزي.

وهكذا فالأمر أقرب ما يكون للعبة “البازل” أو الأحجية التي يتحرك عبر مراحلها اللاعب، إذ يبحث في القطع الصغيرة عن أي بداية لخيط متصل، أو شكل يستكمل شكلا آخر ولو بصورة جزئية ويستبعد على الفور كل ما يري أنه نشاز في المراحل الأولي. وقد يطرح جانبا قطعة ما مهمة للشكل الذي يريد تكوينه لمجرد أنه لم يري في تلك المرحلة المبكرة الرابط بين هذه القطعة والشكل الذي ستنتهي إليه الأحجية عند اكتمالها.

لذلك فالقراءة العنقودية أقرب للباحث الذي ينطلق من فرضية ما أو تطل من رأسه أسئلة متتابعة بخصوص حدث تاريخي أو حتي اعتقاد يريد أن يدعمه أو ينقضه. وهي طريقة قد تستهلك من القارئ وقتا أطول في موضوع واحد لكنها تتيح للعقل عددا أكبر من “قطع الأحجية” التي تسمح له بتشكيل جزء له مغزي بحسب إدراكه.

على أنني لا أدعو إلي طرح الطريقة الشظوية جانبا واعتماد العنقودية كلية بدلا منها؛ فللشظوية ميزاتها بل وضرورتها أحيانا. كما أنه ليس من المعقول أن يفني القارئ غير المتخصص عمره لتتبع خيط واحد فقط في فن واحد ويهمل باقي الفنون والمعارف.

وحاليا أنتهج الطريقتين بالتوازي إذ أقوم بعمل دراسة في أحد علوم القرآن الكريم (مما يعني التركيز في موضوع واحد وشراء واستعارة عدد كبير من الكتب تتناول هذا الموضوع بالذات بشئ من التفصيل)، وفي نفس الوقت أتنقّل بين الرواية والعلوم الاجتماعية واللغويات … إلخ، فمن ناحية يتيح لي هذا الولوج والخروج من موضوع القراءة العنقودية قدرا من البهجة والمرونة الذهنية والرياضة العقلية ومن ناحية أخري يوفر لي بعض البيانات التي أُطعّم بها موضوع الدراسة، وهكذا أصبح على اتصال بباقي الفنون التي تشغلني فلا يثنيني عنها موضوع البحث العنقودي.

——————————

في عام 2004 على ما أذكر قرأت مقالا للدكتور فؤاد زكريا بعنوان “مرض عربي اسمه الطاعة” ووجدتني أتفق مع الكاتب في معظم الجزئيات، وظل المقال في ذهني حتي اطلعت على الباب الثاني من كتاب العقل الأخلاقي العربي للدكتور محمد عابد الجابري في آخر عام 2008، وعنوان الباب “الموروث الفارسي” أو أخلاق الطاعة. ففتح لي هذا الباب “أبوابا” لا حصر من التفكير تتعلق بمسألة تشخيص المرض، وليس مجرد اكتشافه كما فعل فؤاد زكريا، فضلا عن تلميح الجابري لإمكانية الشفاء من هذا المرض باستخراج الدواء من الموروث الإسلامي ممثلا في القرآن الكريم والسنة. وكنت قد اشتريت قبل ذلك كتابا بعنوان الآداب السلطانية، من إصدارات عالم المعرفة وهو صادر بعد كتاب الجابري وذو صلة وثيقة به. والحق أن الخيط الذي تنتظم فيه هذه القراءات ربما يعود في البداية إلي كتاب الطاغية من إصدارات عالم المعرفة أيضا وقرأته في مارس 2004.

وكنت قد أشرت من قبل إلي أن اتباع الطريقة العنقودية في قراءة ملامح الحضارة الغربية من عصر النهضة إلي القرن العشرين لمدة سبعة أشهر متواصلة عام 2004 قد أضاء لي من المصابيح ما أهتدي به إلي الآن. فقراءتي لم تكن لأحداث تاريخية معزولة عن واقعها الاجتماعية ولم يكن هذا وذاك معزولين عن المنتج الثقافي والفني المعاصر للأحداث، ولم أعزل الثلاثة جوانب عن الجذور التاريخية والثقافية للقارة العجوز فجاءت النتيجة فهما جيدا لنصوص شكسبير ومارلو، وإدراكا للظروف التي سمحت للمرأة اعتلاء خشبة المسرح في إنجلترا منتصف القرن السابع عشر، وفهما لا بأس به لمسألة تحرر العبيد في أمريكا، ورؤية شفافة للتناقضات الفاضحة للثورة الفرنسية وأفكار وممارسات جون لوك وجون ستيوارت ميل، واهتداء بكل ذلك وأكثر لفهم ذهنية الغربي الحاكمة لعلاقته بالآخر.

——————

في عام 2003 أو 2004 نصحني، الأستاذ فتحي، الذي يكبرني بنحو ثلاثين سنة أو أكثر، بأن أقرأ ، قدر استطاعتي، كتابا واحدا على الأقل في نقد كتاب فرغت منه للتو. فمثلا إذا قرأت سردا لأحداث الفتنة الكبري لأحد اليمينيين ينبغي أن أتبعه بقراءة رؤية بديلة وليكن من خلال كاتب ماركسي أو عالَماني؛ وإذا فرغت مثلا من قراءة كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق فينبغي أن يكون في عقبه كتابا يناقضه وليكن كتابا لمحمد عمارة.

لعله كان يقصد الفكرة الهيجلية عن الجدل.

رابط المقال في مدونة مختار العزيزي.


هذا الكتاب مصنف في عن القراءة، يمكنك متابعة أي تعليقات عبر رابط RSS 2.0.

2 من التعليقات لـ “مقال: عن القراءة الشظوية والقراءة العنقودية”


أيمن فكري:

الخميس، 2 أبريل 2009 الساعة 11:58 ص

مقال جميل جدا وشايف اني القراءه الشظيويه على حد تعبيرك هي الاسلوب الذي اتبعه في القراءه



ميلاد دكتر:

الأحد، 22 نوفمبر 2009 الساعة 11:27 ص

مجمل القول :ان القراءة الشظوية هى القراءة العابرة ذات الوعاء الفارغ اما القراءة العنقودية فهى القراءة الباحثة ذات الطاقات المتعايشة بصورة موضوعية بين السطور” و من زاوية اخرى باحثة ايضا فى ذات الموضوع ارى ان “التواصل الفكرى” هو المعمل الادمى لصناعة الافكار واستقبال النتائج. في النهاية اعجبتنى فكرتك و تسعدنى صداقتك كباحث “مثمر” و خليل فى درب النور


إكتب تعليقك